بداية أود أن أقدم الشكر الموصول لمن ألهمني مقالتي هذه وهو الأخ المصري الحبيب.. شريف عبدالعزيز صاحب مدونة "العدالة للجميع" في موقع "جوجل" للمدونات ، وفيما يلي نص المقال:
لعل عنوان المقال أعلى الصفحة هو التلخيص لكل ما أردت توصيله من هذا المقال والذي سأبدؤه بحديث الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام التالي عن بغي دخلت الجنة لعطفها على كلب وإليكم الحديث:
"بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش ؛ إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل ، فنزعت موقها ، فاستقت له به فسقته إياه ، فغفر لها به"
قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 35 :رواه البخاري ( 2 / 376 طبع أوربا ) ومسلم ( 7 / 45 ) وأحمد ( 2 / 507 ) من حديث محمد بن سيرين عن " أبي هريرة " مرفوعا . وتابعه أنس بن سيرين عن أبي هريرة نحوه . ورواه أحمد ( 2 / 510 ) وسنده صحيح أيضا
إن هذا الحديث الشريف يلفت الانتباه إلى عدة نقاط:
1. أن القصة تستمد قوتها من كون المرأة العاهرة تمتهن وظيفة من أكثر المهن احتقارا ومهانة ، وفي المقابل قامت بعمل إنساني قد يبدو بسيطا لدي كثير من الناس ، لكنه عند الله عظيم عظمة جعلته يغفر للمرأة ذنبا من أشد الذنوب حرمة في دين الله ، فالحديث يتحدث عن المرأة بشكلها الإنساني ، فهو لم يشيئها ولم يصمها ولم يعيرها لأن المطلوب هو فهم أعلى من ذلك، حتي فيما هو ثابت أنه صفة واصمة ألا وهي الاتجار بالزنا والترزق بالممارسة الجنسية غير الشرعية فكيف بمن لم يرتكب .
2.أن العمل الإنساني كان من البساطة بحيث لم يكن في حق إنسان بل كان في حق حيوان ، ومع ذلك اطلع الله على قلبها فغفر لها به ، فكيف لو فعلت ما فعلت مع إنسان
3. أن رسول الله أشار إلي العاهرة بالاسم ولم يختر قصة أخرى كانت يمكن أن تكون لشخص عادي " غير موصوم " ، كأن يقول امرأة أو فلاحة أو قروية أو رجل أو فتي أو صبي ، لكنه ذكر العاهرة – تلك الموصومة التي تقوم بعمل ينكره عليها الدين والناس – ولا يتم النظر إليها نظرة إنسانية في العادة بل ينظر إليها نظرتين : نظرة المشتهي للبضاعة ، في مجرد شئ يتم بيعه وشراؤه ، و نظرة المحتقر الساخط وهي نظرة الكراهية والدونية .
4.هذا الحديث لا يبرر الزنا ولا يدعو إليه ولا يحبب فيه ، ولا يجرئ عليه ، ولا يتجاوز عن جرمه ولا يهون من شره ولا حرمته فالمرأة حسب تفسير العلماء قد رزقها الله التوبة فأقلعت عن ذنبها جزاء لها على هذا الفعل الذي فعلته مع الكلب ، فالقاعدة الشرعية معروفة أن الذنب لا يغفر إلا بالتوبة ، وحتى لو فسرت بأنها ربما تكون من الاستثناءات التي وسعتها حكمة الله جل شأنه فليس هذا هو المهم وإنما تسليط الضوء على إنسانية المرأة التي ترتكب معصية كهذه ليأخذنا إلي عالم الرحمة والرفق ، ومواطن الإنسانية والعطاء بلا مقابل ، ومواضع الفهم والحكمة .
سأوضح أكثر…
إن استخدام رسول الله صلي الله عليه وسلم لهذه القصة بالتحديد مهم جدا في فهم ما يحدث في في نفوس المستمعين ، ومن ثم ما ينبني عليه من مشاعر وأحاسيس مؤدية لتفاعلات واقعية مع الناس والمجتمع ، فإن الصحابي الذي استمع للتو لهذه القصة يحدث بداخل نفسه تأثيرا فوريا ثم يترتب علي هذا التأثير رؤية ما تمكن الصحابي من السير في الحياة والنظر إلي الناس بشكل مختلف تماما فيما لو لم يستمع إلي هذا الحديث تماما .
أولا : بدلا من أن يسير الصحابي في الشوارع في حالة نقمة علي العصاة وفي وضع الوصي علي دين الله الذي يريد التقاط العصاة من الطرقات وحرقهم حرقا - إن تمكن - بدعوي أنه يطهر المجتمع من " القاذورات البشرية " علي شاكلة هذه العاهرة ، فإنه يسير بنفسية أخري تماما ، وعقلية مختلفة عما هو مألوف أو متوقع ، فهو يمشي بين الناس متواضعا لا يحكم عليهم حكما مبدئيا لمعرفته عنهم شيئا واحدا أو صفة واحدة ، حتي لو كانت هذه الصفة حراما أو كبيرة من الكبائر ، فهو لا يقرهم عليها ولكنه لا يفترض أنه أحسن منهم ولا يمارس معهم إجراءات تمييزية تحرمهم من حقوق أخرى ، أو تنتهك إنسانيتهم بدعوي تأديبهم ، فهو يتلمس لهم العذر أكثر من أن يصطاد لهم في الماء العكر ، وهو يعينهم علي الاقلاع عن المعصية لأنه يؤمن بأن فيهم خيرا كثيرا وأنهم بشر لهم مشاعر وأحاسيس وفيهم نقاط الضعف والقوة .
ثانيا : أن الصحابي يفهم أن لله نظرة أوسع وأعدل في شئون الناس من نظرته – أي الإنسان - القاصرة التي تري زاوية محدودة من هذه الشئون ، وهو هنا يعرف أن الله يأمرنا بأن نكون أكثر سعة في فهم هذه الزوايا المتعددة وأن تكون وسيلة تعيننا علي التعامل مع الناس ، وسيلة يقل فيها " الحكم المبدئي " علي الناس من صفة واحدة
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ